السيد محمد باقر الصدر
147
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
الناس بأخطائه التي كان يكافح في سبيلها ، ويعرضها بوصفها معاجز التفكير الحديث . وأمّا إذا كانت تعني الماركسيّة من الموقف الحزبي أنّ كلّ فرد ينتمي إلى طبقة ويدافع عن مصالحها ينساق دون قصد إلى ما يتّفق مع مصالح تلك الطبقة من مفاهيم وآراء ، ولا يمكن أن يتجرّد عن وصفه الطبقي خلال البحث مهما حاول اصطناع النزعة الموضوعيّة وتكلّفها ، إذا كانت الماركسيّة تعني هذا فإنّه يؤدّي بها إلى النسبيّة الذاتيّة التي تحاربها دائماً . ولعلّ القارئ يتذكّر النسبيّة الذاتيّة من بين المذاهب التي استعرضناها في نظريّة المعرفة من ( فلسفتنا ) ، وهو المذهب القائل : بأنّ الحقيقة ليست مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي ، وإنّما هي مطابقة الفكرة للشروط الخاصّة التي توجد في تركيب الفرد العضوي والنفسي ، فالحقيقة بالنسبة إلى كلّ شخصٍ ما تتّفق مع تركيبه الخاصّ ، لا ما يطابق الواقع الخارجي ، وهي لأجل ذلك نسبيّة ذاتيّة ، بمعنى أنّها تختلف من فرد لآخر ، فما هو حقيقة بالنسبة إلى شخصٍ لا يكون كذلك بالنسبة إلى شخص آخر . والماركسيّة تشنّ حملة عنيفة ضدّ هذه النسبيّة الذاتيّة ، وتعتبر الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي ، غير أنّ الواقع الموضوعي لمّا كان متطوّراً فالحقيقة التي تعكسه متطوّرة أيضاً ، فهي حقيقة نسبيّة ، ولكنّ النسبيّة هنا موضوعيّة تابعة لتطوّر الواقع الموضوعي ، وليست ذاتيّة تابعة للتركيب العضوي والنفسي للفرد المفكّر . هذا ما تقوله الماركسيّة في نظريّة المعرفة ، ولكنّها بتأكيدها على الطابع الطبقي والحزبي للتفكير ، وعلى استحالة التجرّد من مصالح الطبقة التي ينتمي إليها المفكّر تسير في طريق النسبيّة الذاتيّة من جديد ، إذ تصبح الحقيقة هي مطابقة الفكرة للمصالح الطبقيّة للمفكّر ؛ لأنّ كلّ مفكّر لا يستطيع أن يدرك الواقع